عماد الدين خليل
210
دراسة في السيرة
طريقهم لمجابهة التجمع الوثني ، ولم يكن الصبح قد اتضح بعد ، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي فكمنوا لهم في شعابه ومضايقه ، وتهيؤوا للانقضاض على المسلمين في جو يسوده المطر والضباب . وما أن دخلت قوات المسلمين الوادي حتى انقض عليهم أعداؤهم دفعة واحدة ، من حيث لم يكونوا يتوقعون ، فأصابهم الفزع والاضطراب وكرّوا راجعين لا يلوي أحد على أحد « 1 » ! ! انحاز الرسول صلى اللّه عليه وسلم ذات اليمين ونادى : ( أيها الناس هلموا إليّ ، أنا رسول اللّه ، أنا محمد بن عبد اللّه ) ، ثم تقدم بحربته أمام المقاتلين ، وكان يقف إلى جانبه صامدا عشرات من المهاجرين والأنصار فيهم علي وأبو بكر وأسامة وعمر . . . وقال للعباس ذي الصوت الجهوري « يا عباس اصرخ : يا معشر الأنصار ، يا معشر أصحاب السمرة » وسرعان ما انطلقت النداآت من بعيد ( لبيك لبيك ) ، وكان الرجل منهم إذا ما أراد ثني بعيره والانطلاق ثانية إلى قلب المعركة ، لا يقدر على ذلك ، لشدة التدافع والزحام وضغط المتراجعين ، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ، ويحمل سيفه وترسه ، ويقتحم عن بعيره مخليا سبيلها ، ومنطلقا صوب النداء . حتى إذا اجتمع إلى الرسول مائة من المقاتلين ، استقبلوا العدو واقتتلوا معه قتالا مريرا وقال الرسول وقد رأى أصحابه يجتلدون مع المشركين : الآن حمي الوطيس . وتمكن علي ورجل من الأنصار من قتل حامل راية هوازن . وبدأت الكفة ترجح لصالح المسلمين ، وما لبث المشركون أن أخذوا بالتراجع صوب الوراء وانقض عليهم المسلمون يعملون فيهم قتلا وأسرا . . . وما أن عاد إلى الميدان أولئك الذين تراجعوا إلى الخلف من المسلمين ، حتى وجدوا أسارى المشركين مكتفين بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . تراجع المشركون بقيادة مالك بن عوف صوب الطائف ، وعسكر بعضهم في أوطاس ، وتوجهت فئة ثالثة نحو نخلة ، ولم يتح لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم فرصة يستردون فيها قواهم ويعيدون تنظيم أنفسهم ، فأرسل قوة من فرسان المسلمين لمطاردة أولئك الذين توجهوا نحو نخلة ، وقوة ثانية بقيادة أبي عامر الأشعري كلفت بقتال المشركين في أوطاس ، فأصابوه بسهم أودى بحياته ، فأخذ الراية ابن عمه أبو
--> ( 1 ) ابن هشام ص 299 - 301 الطبري 3 / 72 - 74 ابن سعد 2 / 1 / 108 الواقدي 3 / 889 - 897 . ( 2 ) ابن هشام ص 301 - 303 الطبري 3 / 74 - 77 ابن سعد 2 / 1 / 109 الواقدي 3 / 897 - 914 البلاذري : أنساب 1 / 365 اليعقوبي : تاريخ 2 / 52 .